الشيخ إياد عبدالله
يقف لبنان، مرةً أخرى، عند مفترق تاريخي حاسم، حيث تتقاطع الاستحقاقات الانتخابية النيابية مع أزمة عميقة في الشرعية والحكم والتماسك الاجتماعي. فالانتخابات في السياق اللبناني ليست مجرد ممارسة ديمقراطية دورية، بل تمثل اختبارًا مصيريًا للسِّلم الأهلي، وهو مفهوم يتجاوز مجرّد غياب العنف المسلح ليحيل إلى توازن هشّ بين الجماعات والمؤسسات والذاكرة الجماعية المثقلة بتجارب العنف. ومن أجل فهم أثر هذه الانتخابات في السلم الأهلي، لا بد من إدراجها ضمن التناقضات البنيوية للنظام السياسي اللبناني، وعمق الانهيار الاجتماعي-الاقتصادي، واستمرار الهويات الطائفية بوصفها في آنٍ واحد موردًا للتماسك ومصدرًا للتصدّع.
1. الانتخابات في نظام توافقي
يقوم النظام السياسي اللبناني على منطق توافقي تكرّس مع الميثاق الوطني سنة 1943، ثم أُعيدت صياغته في اتفاق الطائف عام 1989. فالتمثيل النيابي ليس سياسيًا فحسب، بل هو تمثيل طائفي في جوهره؛ إذ يُمثَّل المواطن بوصفه عضوًا في جماعة دينية قبل أن يُعترف به فردًا في جماعة مدنية. وبناءً على ذلك، لا تؤدي الانتخابات وظيفة التنافس البرنامجي أو التجديد الإيديولوجي بقدر ما تعمل كطقوس لإعادة تثبيت التوازنات الجماعية. وهذه السمة البنيوية تُحدِّد بعمق أثر الانتخابات في السلم الأهلي.
من جهة، تشكّل الانتخابات بديلاً رمزيًا عن العنف، إذ تتيح للنخب المتنافسة أن تتفاوض على السلطة عبر صناديق الاقتراع لا عبر السلاح. ومن هذا المنظور، يمكن اعتبار إجراء الانتخابات—ولو في ظروف غير مثالية—عاملًا من عوامل الاستقرار، لأنها تؤكد حدًّا أدنى من الالتزام باستمرارية المؤسسات. غير أنّ المنطق الطائفي ذاته يحوّل التنافس الانتخابي إلى صراع صفري بين الجماعات، حيث يُنظر إلى الخسارة السياسية بوصفها تهميشًا وجوديًا. وهنا يكمن الخطر على السلم الأهلي، لا في التزوير أو الخلل الإداري فحسب، بل في الخطابات التعبوية التي تستحضر الخوف والمظلومية والذاكرة الجريحة.
2. الانهيار الاجتماعي-الاقتصادي والتقلّب الانتخابي
يتميّز السياق اللبناني الراهن بانهيار اجتماعي-اقتصادي غير مسبوق. فمنذ عام 2019، شهد البلد تدهورًا حادًا في العملة الوطنية، وتفكك الطبقة الوسطى، وإفقار شرائح واسعة من السكان، وشللًا شبه تام في الخدمات العامة. ولهذا التفكك المادي انعكاسات مباشرة على السلم الأهلي وعلى معنى الانتخابات ذاتها.
فالفقر وانعدام الأمن يعززان الاستقطاب السياسي. وفي ظل الهشاشة القصوى، لا تُحدَّد الخيارات الانتخابية غالبًا على أساس القناعة السياسية، بل بدافع البقاء. ويكتسب الزبائنية—التي طالما ميّزت الحياة السياسية اللبنانية—حدةً مضاعفة، حيث تتحول المساعدات الغذائية أو الطبية أو النقدية إلى عملة انتخابية. وتؤدي هذه الممارسات إلى تقويض الأسس الأخلاقية للمشاركة الديمقراطية، وتغذية مشاعر الحقد بين من يستفيدون من الشبكات الحزبية ومن يُقصَون عنها. ويصبح السلم الأهلي مهدَّدًا بعنف اجتماعي كامن، قد لا يتخذ شكلًا مسلحًا فورًا، لكنه يتجلى في الغضب واليأس وتآكل الثقة بأي مستقبل مشترك.
ومع ذلك، أفرزت الأزمة أيضًا حركة مضادّة. فقد كشفت انتفاضة تشرين الأول 2019 عن وعي مدني ناشئ تحدّى السرديات الطائفية وطالب بالمحاسبة والعدالة الاجتماعية وسيادة القانون. إن مشاركة قوى «التغيير» أو المرشحين الإصلاحيين في الانتخابات النيابية تضيف متغيرًا جديدًا إلى معادلة السلم الأهلي؛ إذ يمكن أن تسهم في تخفيف التوتر عبر فتح آفاق غير طائفية للأمل، أو أن تستفزّ ردود فعل عنيفة من النخب المتجذّرة التي تُصوِّر هذه الحركات كتهديد لحقوق الجماعات.
3. ذاكرة الحرب الأهلية وسياسات الخوف
لا يمكن فصل السلم الأهلي في لبنان عن ذاكرة الحرب الأهلية (1975–1990). فهذه الذاكرة ليست سردية موحَّدة، بل هي مجموعة متشظية من الذكريات الجماعية التي غالبًا ما تُستثمر سياسيًا. وتُعيد الانتخابات تنشيط هذه الذاكرة عبر خطاب مباشر أو ضمني: التحذير من «هيمنة الآخر»، استحضار المجازر السابقة، وتقديم الزعماء بوصفهم حماةً من الفوضى.
ولهذه الاستراتيجيات الخطابية أثر مزدوج. فهي قد تردع العنف بتذكير المواطنين بالكلفة الكارثية للحرب الأهلية، وتعزيز النفور الجماعي من تكرارها. لكنها في الوقت نفسه تُطبعن سياسة الخوف، وتكرّس الانقسام، وتمنع تحقيق مصالحة حقيقية. وفي هذا السياق، يصبح السلم الأهلي سلامًا سلبيًا، قائمًا على الشك المتبادل لا على الالتزام المدني المشترك.
ويزداد هذا الخطر حدّةً في فترات التوتر الإقليمي. فالديناميات الداخلية اللبنانية تبقى متشابكة بعمق مع صراعات الشرق الأوسط الأوسع. وقد تتحول الاستحقاقات الانتخابية إلى ساحات بالوكالة لهذه الصراعات، بما يفاقم الاستقطاب الداخلي ويرفع منسوب المخاطر الأمنية المحلية. ومن ثمّ، فإن الحفاظ على السلم الأهلي لا يعتمد على الفاعلين الداخليين وحدهم، بل أيضًا على مدى ضبط التأثيرات الخارجية.
4. هشاشة المؤسسات ومسألة الشرعية
يُضاف إلى ذلك بُعد أساسي يتمثل في شرعية المؤسسات. فالانتخابات النيابية تهدف، من حيث المبدأ، إلى تجديد السلطة السياسية واستعادة الثقة بالحكم. غير أنّ هذه الغاية تفقد معناها حين تُدرَك المؤسسات على أنها عاجزة عن تحقيق العدالة أو الاستقرار الاقتصادي أو توفير أبسط الخدمات. وفي هذه الحالة، تبدو الانتخابات شكليات فارغة، الأمر الذي يهدد السلم الأهلي بتقويض العقد الأخلاقي بين الدولة والمواطنين.
في لبنان، تتخذ أزمة الشرعية طابعًا حادًا. فالإخفاق في محاسبة المسؤولين عن الفساد والانهيار المالي أو عن كوارث ككارثة مرفأ بيروت ولّد شعورًا عامًا بالإفلات من العقاب، يقوّض التماسك الاجتماعي. وإذا أعادت الانتخابات إنتاج النخب ذاتها دون إصلاح حقيقي، فإن الإحباط قد يتحول إلى اضطرابات اجتماعية. وعلى العكس، فإن أي اختراق انتخابي محدود قد يملك أثرًا مهدئًا، لأنه يشير إلى إمكانية التغيير عبر وسائل غير عنيفة.
5. السلم الأهلي ما بعد صندوق الاقتراع
في نهاية المطاف، لا يمكن اختزال أثر الانتخابات النيابية في السلم الأهلي في العملية الانتخابية ذاتها. فالسلم الأهلي واقع ديناميكي وعلاقي، يستند إلى العدالة الاجتماعية، والسرديات الجامعة، والمؤسسات الموثوقة. ويمكن للانتخابات أن تسهم في هذا المسار أو أن تكشف هشاشته.
في أفضل الأحوال، تؤدي الانتخابات دور لحظات لإعادة المعايرة الجماعية؛ إذ تتيح التعبير الرمزي عن المظالم بدل تفجّرها عنفًا، وتجدّد حدًّا أدنى من الشعور بالفاعلية السياسية، وتفتح مساحات للحوار العابر للطوائف. وفي أسوأ الأحوال، تُفاقم الانقسامات، وتُشرعن الخطابات الإقصائية، وتعمّق الهوة بين الحاكمين والمحكومين.
خاتمة
في السياق اللبناني الراهن، ليست الانتخابات النيابية علاجًا سحريًا ولا مجرد إجراء تقني. إنها عتبة حرجة تتجلى عندها التوترات بين التفكك الطائفي والطموح المدني، وبين اليأس والأمل. ويتحدد أثرها في السلم الأهلي لا بسلامة الإجراءات فحسب، بل بالأفق الأخلاقي والسياسي الذي تجسّده. فإذا اقترنت الانتخابات بالتزام متجدد بالمحاسبة والكرامة الاجتماعية ورؤية مشتركة للصالح العام، أمكن لها أن تشكّل—ولو بصورة هشة—ضمانة حقيقية للسلم الأهلي. أما إذا غابت هذه الشروط، فإنها قد تتحول إلى فصل آخر في مسلسل التآكل البطيء لمجتمع يحاول أن يحافظ على ذاته دون أن ينزلق مجددًا إلى هاوية العنف.


