كتب حمزة حمية
واحد وعشرون عاماً مرّت، لكن الرابع عشر من شباط لم يتحوّل يوماً إلى تاريخٍ عابر. هناك أيامٌ تبقى معلّقة في الذاكرة، لا لأننا نريد ذلك، بل لأن وقعها أكبر من أن يُنسى. يوم اغتيال الشهيد الرئيس رفيق الحريري لم يكن حدثاً سياسياً فحسب، بل لحظة حزنٍ جماعي شعر فيها كثيرون أن ركناً من أركان الحلم اللبناني قد اهتزّ، بل وأكثر من ذلك، أن الحلم بأكمله أصيب في الصميم.
كان الرجل أكبر من منصب، وأوسع من موقع. دخل السياسة بعقل رجل الدولة لا بعصبية الزعيم، وبنى كما لو أنه يؤسس لزمنٍ طويل لا لمرحلةٍ عابرة. أعاد إلى بيروت بعضاً من صورتها، وإلى اللبنانيين شيئاً من ثقتهم بأن الغد يمكن أن يكون أفضل من الأمس. أخطأ وأصاب كأي تجربة بشرية، لكن ما ميّزه أنه امتلك مشروعاً واضحاً: دولة، ومؤسسات، وعروبة متوازنة، وانفتاح على العالم.
ثم جاءت الأيام الثقيلة. الشيخ سعد الحريري لم يختر أن يدخل السياسة في لحظة طبيعية، دخلها على وقع الفاجعة. ورث اسماً، وورث مسؤولية، وورث انقساماً عميقاً. لم يكن الطريق سهلاً، ولم تكن الخيارات دائماً مريحة. بين التسويات والضغوط، بين الحضور والانكفاء، حاول أن يحمي ما يمكن حمايته: الاستقرار، الاعتدال، ومنع البلد من الانزلاق إلى ما هو أخطر. قد يختلف الناس في التقييم، لكن لا يمكن إنكار أنه حمل العبء في زمنٍ لم يكن رحيماً.
وفي قلب هذه المسيرة، كانت هناك وجوه تحمل المعنى ذاته بطرق مختلفة.السيدة بهية الحريري أخت الشهيد لم تكن مجرّد اسم في المعادلة السياسية، بل كانت صورة الاستمرارية الهادئة،حيث تختلط السياسة بالتربية وبالعمل الاجتماعي، حافظت على نبضٍ إنساني يذكّر بأن المشروع لم يكن سلطة فقط، بل خدمة ومؤسسات وتعليم. كانت تمشي بثبات، كأنها تقول إن المدرسة التي بدأت لن تُغلق أبوابها مهما اشتدت العواصف.
والشيخ أحمد الحريري، في موقعه التنظيمي، خاض معارك من نوع آخر. معارك الحفاظ على البيت من الداخل، وضبط الإيقاع حين يعلو الضجيج، وربط القواعد بقيادتها في أصعب اللحظات. لم يكن العمل سهلاً، خصوصاً في سنوات التراجع والضغط، لكن الاستمرار بحدّ ذاته كان رسالة أن الفكرة لم تسقط، وأن التيار ليس مجرّد ظرفٍ سياسي بل حالة ممتدة.
اليوم، في الذكرى الحادية والعشرين، لا يبدو المشهد مجرد استعادة لصور الماضي. إنه وقفة مع الذات. سؤال صريح: ماذا نفعل بالإرث؟ هل نحوله إلى حنين، أم نجعله طاقة للمستقبل؟ دعم عودة الشيخ سعد ، إن قرر ذلك، لا يُختصر بشخص، بل يرتبط بحاجة وطنية إلى توازن افتقده البلد طويلاً. فالاعتدال ليس ترفاً، بل ضرورة في وطنٍ يقوم على الشراكة.
لا شك أن خطاب الرئيس سعد الحريري في هذه الذكرى سيكون خطاباً مفصلياً، كلامه سيحمل قراءة للماضي ومقتضيات الحاضر ورؤية للمستقبل. يتطلب منا هذا الخطاب تمعناً هادئاً، وفهماً مسؤولاً، والتزاماً بقرارٍ يُتخذ بعد التفكير، والوقوف إلى جانبه لأنه سيخدم المصلحة الوطنية والتوازن الذي يحتاجه وطننا. وليس ولاءً لشخص بقدر ما هو تمسك بخيار الاعتدال كطريق للخروج من دوامات الانقسام.
المشاركة في الذكرى ليست استعراضاً سياسياً. هي لحظة وفاء صامتة تقول إن الدم الذي سقط لم يذهب هدراً في الوجدان. حين يجتمع الناس، فهم لا يبكون الماضي فقط، بل يجدّدون إيمانهم بأن لبنان لا يُبنى إلا بدولته، ولا يُحمى إلا باعتداله.
واحد وعشرون عاماً مرّت، لكن بعض الأحلام لا تموت، وبعض المشاريع لا تُختصر بغياب أصحابها. قد تتبدّل الظروف، وتتغيّر المراحل، إلا أن الفكرة التي زرعها رفيق الحريري ما زالت حيّة في وجدان الناس. وحين يجتمع الوفاء مع الإرادة، ندرك أن “تاريخنا إلو مستقبل”،بل واكثر من ذلك أن تاريخنا هو المستقبل.


