بقلمكم

تحولات الصراع: من اختلال القوة إلى توازن الردع المعقّد

اسامة المعلم

لم يعد الصراع في الشرق الأوسط يقاس اليوم بالمعادلة التقليدية التي تقوم على طرف قوي وآخر أضعف، بل بات يتخذ شكلا أكثر تعقيدا، تتداخل فيه عناصر القوة مع أدوات الردع غير التقليدية، في مشهد يقترب من “حرب توازن إرادات” أكثر منه مواجهة عسكرية كلاسيكية.

فعلى امتداد العقود الماضية، كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تمثلان تفوقا عسكريا واضحا في المنطقة، سواء من حيث التكنولوجيا أو القدرات التسليحية أو منظومات الردع الاستراتيجي. إلا أن صعود إيران كقوة إقليمية، خصوصا منذ مطلع الألفية، أعاد تشكيل قواعد الاشتباك، ليس عبر مواجهة مباشرة شاملة، بل من خلال بناء شبكة نفوذ متعددة الأدوات، تشمل القدرات الصاروخية، والحرب غير المتكافئة، واستخدام الحلفاء الإقليميين.

هذا التحول أنتج نمطا جديدا من الصراع يمكن وصفه بـ”التكافؤ الوظيفي”، حيث لا تتساوى الأطراف بالضرورة في الحجم أو القدرات التقليدية، لكنها تمتلك وسائل فعالة لإيذاء الخصم ورفع كلفة أي مواجهة. ويتجلى ذلك في سلسلة من الأحداث، أبرزها:
• الهجمات المتبادلة غير المباشرة في أكثر من ساحة إقليمية.
• تطور القدرات الصاروخية الدقيقة والطائرات المسيّرة.
•الاعتماد المتزايد على الحرب السيبرانية والعمليات الاستخبارية.

في هذا السياق، لم يعد الحسم العسكري السريع خياراً واقعياً كما كان في الحروب التقليدية، بل باتت الاستراتيجيات تقوم على تراكم الضغط واستنزاف الخصم، ودفعه إلى التراجع أو القبول بتسويات بشروط أقل.

تصعيد مفتوح وسقف مرتفع للمخاطر

الخطورة في هذا النمط من الصراع تكمن في أنه يرفع منسوب التصعيد دون أن يوفر بالضرورة آليات واضحة للضبط. فكل طرف يسعى إلى استخدام أقصى ما لديه من أدوات ضغط، مع محاولة تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة، وهو توازن هش بطبيعته.

ومن بين السيناريوهات التي يكثر الحديث عنها في الأدبيات الاستراتيجية، احتمال اللجوء إلى أسلحة غير تقليدية في حال وصول الصراع إلى نقطة اللاعودة. وهنا يستحضر التاريخ مثالا مفصليا تمثل في قصف هيروشيما وناجازاكي خلال الحرب العالمية الثانية، عندما استخدمت الولايات المتحدة السلاح النووي لحسم المواجهة مع اليابان، في خطوة أنهت الحرب لكنها فتحت الباب أمام عصر الردع النووي.

إلا أن إسقاط هذا النموذج على الواقع الحالي ليس بالأمر البسيط، إذ إن البيئة الدولية اليوم تختلف جذريا، سواء من حيث توازنات القوى أو منظومات الردع المتبادل أو الكلفة السياسية والإنسانية لأي استخدام محتمل لهذا النوع من السلاح.

في المحصلة، نحن أمام مرحلة تعيد تعريف مفهوم الصراع ذاته:
لم يعد التفوق العسكري كافيا للحسم.
ولم يعد الضعف يعني العجز عن الرد.
بل أصبحت القدرة على إدارة التصعيد وامتلاك أدوات الردع غير المباشر هي العامل الحاسم.

هذا الواقع يفتح الباب أمام سيناريوهين متوازيين:
إما تثبيت معادلة ردع متبادل تمنع الانفجار الكبير، أو الانزلاق إلى مواجهة أوسع نتيجة خطأ في الحسابات أو تجاوز للخطوط الحمراء.
وفي كلا الحالين، فإن ما نشهده اليوم ليس مجرد جولة جديدة من الصراع، بل تحول بنيوي في طبيعته وقواعده، قد يرسم ملامح المرحلة المقبلة في المنطقة لعقود قادمة.

Next Article:

0 %