بقلم الدكتور بلال الصنديد
في العام الجديد، أتمنى لعالمنا أشياء بسيطة جدًا، لا تحتاج مؤتمرات أممية، ولا بيانات ختامية تُكتب قبل الانعقاد، ولا صورًا جماعية بابتسامات تشبه ابتسامة الموظف الذي أنهى الدوام ولم يُنهِ العمل… ولا ينوي!
أتمنى صباحًا عاديًا، يشاهد فيه المواطن الأخبار دون أن يتهيّأ نفسيًا للأسوأ، كحال المريض اليائس الذي يفتح نتيجة التحاليل وهو متأكد أن الطبيب سيبدأ الجملة بكلمة : «للأسف!».
أتمنى للسلام أن يتوقف عن كونه شعارًا ملوّنًا وحمامةً بيضاء. سلام لا يُقاس بعدد المؤتمرات ولا بحجم القاعات ولا برونق الخطابات، بل بعدد الأطفال الذين لم يتعلموا أسماء الأسلحة قبل أسماء الفاكهة، ولم يحفظوا أسماء الجبهات قبل أسماء الألعاب.
أتمنى للدستور ألا يبقى وجهة نظر، وللقانون ألا يكون هواية تُمارَس حسب الظروف، وأتمنى أن يصل القرار العادل قبل أن تصل أخبار الجيران.
أتمنى للفقراء أن يناموا ليلة واحدة بلا أسئلة تصلح لأن تكون «وجودية»؛ كم رغيفًا يكفي؟ كم ساعة كهرباء يتكرمون بها علينا؟ وكم دواء يمكن تأجيله إلى الشهر المقبل من دون أن ينتفض الجسد أو يئنّ الأطفال؟ أتمنى للبسطاء -وهم أكثرية الحاشية التي تُساق، عند الحاجة، إلى الصورة الرسمية أو التصفيق الجماعي، ثم تُعاد إلى الهامش عند توزيع الفرص- أن يكفّوا عن لعب دور «الديكور الوطني»، وأن يُدوّي حضورهم على طاولات القرار، لا أن يدوّن في هوامش البيانات.
أتمنى للمسؤول ألا يبقى «غير سائل» ولا مُساءل، وللنائب ألا يكون «نائبة»، ولصاحب القرار -عمومًا- أن يكفّ عن اعتبار العودة عن الخطأ ذلّة تُسابق رأسه إلى الوسادة وتطارده في الأحلام.
أتمنى للفساد أن يُلاحَق لا أن يُعاد تدويره بأسماء منمّقة، وأتمنى للإصلاح أن يخرج من قاعة المؤتمرات إلى الشارع، وأن يتوقف عن كونه كلمة أنيقة تُستخدم في العناوين، ثم تُعاد إلى الدرج نفسه مع «الشفافية» و«الحوكمة»، حيث تقبع «العدالة الاجتماعية» و«الاستدامة» و«المرحلة القادمة».
أتمنى للحقيقة أن تسبق الشائعة، وللإعلام أن يكون صوتًا للناس لا تصويتًا عليهم، وأن يدخل البيوت محترمًا لا متسللًا من شبابيك الإثارة، وأن يكفّ عن التعامل مع كل خبر كأنه نهاية العالم أو بدايته، ويفسح مجالًا للتفكير بدل الصراخ، وللسؤال بدل التخوين، وللعقل بدل الانفعال.
أتمنى للوقت أن يُحترم، لأن الشعوب التي يُهدَر وقتها تُستنزَف طاقتها قبل أن تُستثمر؛ تُنهكها الطوابير، وتشيخ في قاعات الانتظار، وتتعلم الصبر أكثر مما تتعلم الإنتاج، حتى يصبح العمر ملفًا مؤجلًا بانتظار توقيع لا يأتي.
أتمنى للتعليم أن يُعلّم التفكير لا الطاعة؛ أن يخرّج طلابًا يعرفون كيف يسألون، لا كيف يحفظون الإجابة النموذجية، وأتمنى للشباب ألا يُطالَبوا بالصبر أكثر مما يُطالَبون بالفرص؛ فالصبر فضيلة، نعم، لكنه ليس خطة.
أتمنى للمرأة ألا تبقى «قضية» موسمية، بل قصيدة أبدية وحقيقة يومية، وألا تُستخدم كسلعة أو عنوان تقدمي عند الحاجة، ثم تُعاد إلى الهامش عند أول مفصل جدي أو قرار صعب.
أتمنى لـ«تنويع مصادر الدخل» أن يكفّ عن كونه رحلة دائرية نبحث فيها عن بديل، ثم نعود إلى المصدر نفسه عند أول أزمة، وأتمنى -تبعًا لذلك- أن يتوقف النمو الاقتصادي عن النمو في التقارير فقط، وأن يخرج من الرسوم البيانية إلى الجيوب الإنسانية، وألا تبقى المشاريع الصغيرة والمتوسطة هواية شبابية أو مغامرة حماسية، بل خيارًا اقتصاديًا جادًا، لا يُدفن تحت عشرات الأختام ومئات المستندات المطلوبة.
أتمنى للذكاء الاصطناعي ألا يُستخدم فقط لفلترة الصور وتحسين الإعلانات، بل أن يصبح ضيفًا يضيف في ميادين التعليم، والصناعة، والزراعة، والإدارة العامة؛ لا شماعة مستقبلية نعلّق عليها فشل الحاضر.
أتمنى للمدينة أن تُصمَّم للإنسان لا للسيارة، لنتمكن من المشي دون أن نخوض معركة بقاء، وأتمنى للبيئة أن تُعامل كحاجة ضرورية لا كترف، وأن نتذكر -قبل فوات الأوان- أن الهواء لا يعترف بالحدود.وأتمنى -ما دام التمنّي مجانيًا- أن يأتينا «بابا روما» القادم، وبعض الوجوه التي عاصرت أسلافه واعتدنا رؤيتها على الشاشة، وقد أعلن أصحابها اعتزالهم عن اللعب في المباريات الدولية والمحلية، وتركوا لنا أخيرًا فرصة العيش بلا أهداف في مرمانا.
أما أمنيتي الشخصية، فهي أن أعيش في عالم لا يعتبر هذه الأمنيات ضربًا من الخيال، ولا أفكارًا جريئة، ولا هلوسة من «غباء إنساني» في زمن الذكاء الاصطناعي.وفي الختام -وأنا أرتشف قهوتي التي بردت من طول الأماني- أدعو لشرقنا البائس أن يعيش بلا سماجة «أفيخاي أدرعي» ولا وحشية مشغليه ومريديه، وأن تصبح يومياتنا مملة قليلًا : بلا أخبار عاجلة متكررة، وبلا قلق مزمن، ولا ترقّب مضن.


