لبنانيات

يا لها من حرب على الفساد!

كتب رامي الريّس في نداء الوطن

كما هو ظريف إعلان رئيس الحكومة بدء الحرب على الفساد، الظرافة في الإعلان بحد ذاته وفي توقيته ومضمونه. والظرافة أن يكون رئيس الحكومة هو من أطلق المعركة متناسياً ان حكومته أقرّت منذ أيام قليلة تعيينات مالية وإدارية لا توحي بأن وجهتها مكافحة الفساد أو أن الآليات التي اعتمدت فيها تحترم معايير الكفاءة وتناقض سياسة المحاصصة!

قال رئيس الحكومة في اجتماعه مع رؤساء الهيئات الرقابية إن الحكومة يحاسبها مجلس النواب الذي يمثل الشعب متناسياً أنه في قرارات التعيينات إياها تجاوز القانون الذي صدر عن مجلس النواب وحدد آليات التعيين في الإدارة ضارباً عرض الحائط بفصل السلطات التي ينص عليها الدستور. أما حجته لعدم تطبيق القانون فلأن ثمة معلومات توفرت لديه بأن هناك كتلة نيابية (صودف أنها الكتلة التي غالباً ما تفرض توجهاتها على حكومته)، تنوي الطعن بالقانون أمام المجلس الدستوري!

إذن، للتوضيح رئيس الحكومة الذي يرفع شعار مكافحة الفساد يمتنع عن تطبيق قانون يهدف لمكافحة الفساد بانتظار أن تطعن به كتلة ما! يا لها من حرب على الفساد!

مثال آخر: يطرح رئيس الحكومة تعيين رئيسة لهيئة رقابية مفترض فيها تطبيق القانون ومحاسبة من يخرقه، في الوقت أنها هي ذاتها كانت تعرضت لعقوبات مسلكية في السلك الذي عملت فيه! المهم أن تعيينها لم يمر ولكن يا لها من حرب على الفساد!

المرجع الحكومي نفسه يوافق على تعيين محافظ لمحافظة لم تنشأ بعد ولا حدد ملاكها أو مقرها أو هيكليتها الادارية أو التنظيمية أو حدودها الجغرافية (تلبية لطلب الكتلة إياها)! يا لها من حرب على الفساد!

والشيء بالشيء يذكر، فالمرجع الحكومي ذاته وافق على إنشاء ثلاث محطات تغويز قبل خمس سنوات من توفر الغاز (اذا وجد) في البحار والمحيطات اللبنانية، تماماً كما وافق على إنشاء محطة كهربائية في سلعاتا (أيضاً الكتلة ذاتها) رغم ان كل الدراسات الاقتصادية والهندسية والفنية تؤكد أنها غير ذي جدوى! يا لها من حرب على الفساد!

الحرب على الفساد لا تكون بالإرتهان الى كتل نيابية والخضوع لها ولتوجيهاتها حتى لو خالفت القناعات والمبادئ التي يقولون انكم وصلتم الى موقعكم على أساسها! وهي لا تكون بالكيدية السياسية مراعاة لأطراف سياسية على حساب أخرى ثم يقولون إنكم لستم من “هذه الطبقة السياسية”!

الحرب على الفساد لا تكون من خلال إقرار سلة تعيينات تغيب عنها وحدة المعايير فيأتي بعضها على أساس المحاصصة وبعضها الآخرعلى أساس اللاكفاءة. ولا تكون بتقريب موعد انعقاد جلسة مجلس الوزراء يوماً كاملاً لتمرير تعيين من هنا أو هناك!

الحرب على الفساد لا تكون بالتخلي عن الصلاحيات الدستورية، فتعقد جلسات باهتة بجداول أعمال “رشيقة” في السراي الحكومي، ثم تترك القرارات الكبرى للجلسات التي تعقد في القصر الجمهوري التي يُقال ان ثمة من يشاهد وقائعها عبر الفيديو من مكان ما!

الحرب على الفساد لا تكون بتكرار معزوفة “التركة الثقيلة” التي تتناغم مع اسطوانة “ما خلونا” لتبرير حالة التردد والمراوغة والمراوحة والمحاباة التي تحكم العمل الحكومي المتعثر. ولا تكون بإيهام الرأي العام أن مقولة “حكومة أصحاب الاختصاص من المستقلين” هي مقولة صحيحة رغم انها لم تعد تنطلي على أحد!

“التركة الثقيلة” ليست مسؤولة عن عدم توحيد الأرقام عند “الوفود” اللبنانية المفاوضة مع صندوق النقد الدولي، وهي ليست مسؤولة عن إعادة استنساخ خطة كهربائية عنوانها الأساسي الفساد والصفقات والسمسرات!

من يريد محاربة الفساد فعلاً يتحرر من القيود السياسية ويترفع عن المهاترات ولا يدعي الملائكية ولا يرتهن لهذا أو ذاك من الاطراف موحياً بالكثير من العفة السياسية التي لا يمتلكها!

فعلاً، يا لها من حرب على الفساد!

Next Article:

0 %