بقلمكم

ليلٌ مُنيرٌ

الكاتبة الأردنيّة دُعاء الخطيب

(لم يكُن اللّيلُ منيرًا بِـ القدرِ الّذي هو عليهِ في زمنِنا هَٰذا .. ولم تكُن الإضاءةُ المُفاجئةُ فيهِ مجرّدَ نورٍ مُشِعٍّ .. بل كانت حدودًا مشتعلةً تفصلُ ما بينَ الحياةِ والموتِ بِـ صدىٰ انفجارٍ يضربُ دونَ التّفرقةِ بينَ صغيرٍ وكبير! انفجارٌ يهدمُ جدارَ السّلامِ الّذي سعَيْنا لِـ بنائِهِ بِـ صمتٍ صاخبٍ .. يقتلُ ذكرياتِ الأمسِ الجميلةِ في كلِّ روحٍ لم تَلْقَ حتفَها؛ فَـ باتَت تبحثُ عن مأوًىٰ صغيرٍ تختبئُ فيهِ وبقايا إنسانيّتِها من صرخاتِ العنفِ المخيفةِ ..)

كتبَت هَٰذهِ الكلماتِ، وعادَت تُقلّبُ في هاتفِها المحمولِ، ولا شيءَ فيهِ سوىٰ المشاهدِ الّتي تؤكّدُ أنَّ هدوءَ اللّيلِ ليسَ إلّا كذبةً اختلقَها بعضُ مَن سئِمَ الاستماعَ لِـ أنينِ الأخبارِ؛ فَـ باتَ يبحثُ عن أيِّ كذبةٍ تُريحُ ضميرَهُ كي ينام …

(أحاولُ جاهدةً إيجادَ كذبةٍ تُنقذُني من الحقائقِ المُخيفةِ الّتي تتضاعفُ كلَّ يومٍ .. لَٰكنَّني لا أجدُ سوىٰ أرواحٍ تُعَدُّ بعدَ مغادرتِها دونَ عودةٍ .. دونَ وداعٍ .. ودونَ أكفانٍ تغطّي ما تبقّىٰ من أجسادِها الهالكةِ!)

بحثَت في هاتفِها عن أيِّ مقطعٍ مُصوّرٍ تشاهدُهُ؛ علَّهُ يمحو أثرَ الدّمارِ العالقِ في رأسِها؛ كي تقنِعَ نفسَها أنَّ هَٰذه المشاهد سَـ تنتهي أو ربَّما سوفَ تنتهي .. المهمّ، أن تنتهي في النّهاية!

(كيفَ للأرضِ الّتي سُقِيَت دمًا أن تُنبِتَ سلامًا؟ وكيفَ لِـ مَن يعيشُ في أرضِ الأمانِ أن يشعرَ -تمامًا- كيفَ تندلعُ المعركةُ؟ سئمتُ الحربَ رغمَ بُعدي عنها عمرًا، لَٰكن الأخبارَ المتكرّرةَ عن موتِ الأبرياءِ تلسعُ روحي بِـ سوطِ الواقعِ المريرِ الّذي لا مَفرَّ منه! وددتُ لو بِـ إمكاني تضميدَ جراحِ تلكَ الزّيتونةِ الّتي لم تستطع الحربُ اقتلاعَها .. لو بِـ إمكاني سترَ العُريِّ الإنسانيِّ أو القليلَ منهُ فقط علىٰ الأقل .. لَٰكنَّ عجزَ الشّاهدِ يسيطرُ علىٰ المشهدِ؛ فَـ ما بِـ اليدِ حيلة!)

تحاولُ محاصرةَ هَٰذا الألمِ بِـ حروفٍ تكتبُها، ربَّما لِـ تُريحَ ضميرَها، أو لِـ تفضفض عمّا يدورُ مع أبرياءَ لا ذنبَ لهم سوىٰ ولادتِهِم في نقطةٍ جغرافيّةٍ غيرِ آمنة …

(كلَّما رأيتُ المزيدَ من المشاهدِ المليئةِ بِـ الخساراتِ؛ كلَّما فقدتُ شهيّتي نحوَ أيِّ حياةٍ طبيعيّةٍ .. لم يعُد إغلاقُ النّوافذِ كافيًا للانسحابِ من الكارثة .. وربَّما حروفي ليسَت إلّا ترفًا وفلسفاتٍ بِـ النّسبةِ للضّحايا خلفَ تلكَ النّوافذ .. نعم، أعلمُ أنَّ كلماتي لن توقفَ صاروخًا سئِمَ الاشتعالَ؛ فَـ قرّرَ الانفجارَ .. لَٰكنَّ كلماتي ليسَت إلّا اعترافًا مُطلقًا بِـ أنَّ القلوبَ معلّقةٌ بِـ الخسارةِ الجماعيّةِ! ليسَت إلّا للتّذكيرِ كيفَ من الممكنِ أن يتحوّلَ الإنسانُ من جسدٍ وروحٍ وذكرياتٍ إلىٰ مجرّدِ رقمٍ تعلنُ عنهُ الشّاشاتُ المُضيئةُ بِـ أصواتٍ من تحتِ الرُّكام!

Next Article:

0 %