بقلمكمتصنيف

ذاكرة بيروت ليست قصيرة.. لا لاستعراض “العضلات”

خديجة الحجار

ما جرى في ساقية الجنزير لا يمكن قراءته كحادثة أمنية عابرة، ولا كإشكال محدود يمكن احتواؤه ببيان مقتضب. لأن ذاكرة بيروت ليست قصيرة، وأهل العاصمة لا ينظرون إلى مشهد السلاح في الشارع وكأنه تفصيل يومي يمكن تجاوزه. كل استعراض قوة، كل محاولة فرض أمر واقع، وكل تجاوز للأصول القانونية، يعيد إلى الأذهان مشاهد 7 أيار، ومن قبلها سنوات الوصاية والاحتلال السوري، حين كان القرار الأمني أعلى من الدولة، وحين كان المواطن يُطلب منه الصمت تحت عنوان الأمر الواقع.

التوضيح الصادر عن المحامي محمد يموت، الوكيل القانوني لحسن عيتاني (ابو علي عيتاني كما هو معروف بين أهله وناسه)، لا يضيف فقط رواية قانونية إلى ما حدث، بل يكشف مكمن الخطورة الحقيقي. فبحسب يموت، فإن شكوى وصلت قبل أربعة أيام إلى أمن الدولة تتعلق بالتلاعب بعدّادات مولّد، وقد تم اتخاذ الإجراءات المطلوبة وتقديم المستندات اللازمة، كما أن المدعي العام المالي القاضي ماهر شعيتو منح صاحب المولد مهلة شهر لتسوية الوضع.

إذا كان الملف يسلك مساره القضائي الطبيعي، وإذا كانت هناك مهلة قانونية واضحة من المرجع القضائي المختص، فما الذي يبرر أن يتحول الأمر فجأة إلى محاولة توقيف ميدانية بقرار منفرد، كما أشار المحامي، يتخللها إطلاق نار من قبل العميد محمد شريم والقوة الضاربة في أمن الدولة؟ هنا لا يعود السؤال عن المخالفة نفسها، بل عن من قرر القفز فوق القضاء، ومن أعطى لنفسه حق استبدال القانون بمشهد ترهيب في قلب بيروت.

هذا بالتحديد ما يخيف الناس. ليس الدفاع عن شخص أو عن مخالفة، بل الخوف من عودة منطق القوة بدل منطق الدولة. حين يشعر المواطن أن القضاء يمكن تجاوزه بقرار أمني منفرد، وأن الشارع يمكن أن يتحول إلى مسرح عضلات، يعود شبح 7 أيار فورًا إلى الذاكرة، وتعود معه صورة المرحلة التي كان فيها الأمن فوق المؤسسات، والسلاح فوق القانون، والخوف هو اللغة اليومية للناس.

7 أيار لم يكن مجرد تاريخ عابر، بل جرحًا سياسيًا ونفسيًا لا يزال حاضرًا في وجدان اللبنانيين، والاحتلال السوري لم يكن مجرد مرحلة سياسية، بل تجربة طويلة من كسر القرار الوطني وإخضاع الناس لمنطق الخوف. لذلك، فإن أي مشهد يحمل ولو ظلًا من تلك المرحلة يُقابل بحساسية عالية ورفض مشروع.

من حق الناس اليوم أن تسأل: هل المطلوب تطبيق القانون أم استعراض القوة؟ وهل تُبنى هيبة الدولة عبر احترام القضاء أم عبر تجاوز القضاء؟ لأن بيروت التي دفعت أثمانًا باهظة كي تبقى مدينة الدولة، لا يمكن أن تقبل بالعودة إلى زمن كانت فيه الشوارع تُحكم بالإشارة الأمنية لا بالإشارة القضائية.

Next Article:

0 %